أثر انخفاض قيمة العملة أو ارتفاعها على مؤخر الصداق
كان أول قانون يضعه المشرع الإماراتي لتحديد المهور هو القانون الاتحادي رقم (12) لسنة 1973م، والذي احتوى على (4) مواد، ونص في مادته الأولى على أنه:
(لا يجوز أن يزيد مقدم الصداق في عقد الزواج على أربعة آلاف درهم أو أن يجاوز مؤخر الصداق ستة آلاف درهم، أو أن يقيّم أي منهما بما يزيد على هذه القيمة.)
وقرر في مادته الثانية بأنه لا تسمع أمام المحاكم أي دعوى للمطالبة بما يجاوز الحدين المشار إليهما في المادة (1) أو أحدهما.
ثم وفي العام 1997م أصدر المشرع القانون الاتحادي رقم 21 لسنة 1997م في شأن تحديد المهر في عقد الزواج ومصاريفه، والذي احتوى على (8) مواد، وألغى القانون السابق، وحدد مقدم المهر ومؤخره ليكون الأول 20000 درهم والثاني 30000 درهم، وأضاف على ذلك في مادته الثالثة بأنه لا يجوز أن تزيد أيام الاحتفال بالزواج على يوم واحد فقط، ولا يجوز أن ينحر في حفلات الزواج ما يزيد على تسعة رؤوس من الإبل.
ووضع عقوبتين على المخالف لأحكام هذا القانون، الأولى سالبة، حيث حرّم على المخالف الحصول على منحة الزواج المقررة بالقانون الاتحادي رقم (47) لسنة 1992م والتي لا تقل عن 60000 درهم ولا تزيد على 70000 درهم، والعقوبة الثانية هي عقوبة جزائية تتمثل في تغريم المخالف مبلغ 500000 درهم، إلاّ أن الواقع أنه ليس هناك أي تطبيق للمادة الثالثة، حيث ليس هناك أي التزام بعدد أيام الاحتفال، ولا بعدد رؤوس الإبل التي تنحر، ولم نسمع بأي شخص تم تغريمه أو تحريمه من منحة الزواج لمخالفته نص المادة (3) المشار إليها.
والملاحظ أن هذا القانون قد خلا من تقييم مقدم المهر ومؤخره، وإنما اكتفى بتحديد حديه فقط خلافاً لما ورد في عجز المادة الأولى من القانون السابق.
من المعلوم أنه لا يشترط أن يكون المهر مبلغاً من النقود، وإنما يجوز أن يكون ذهباً أو فضة أو أي مال مقوم، ولبيان هذا الموضوع نحتاج إلى مقدمة عن تاريخ نشأة النقود.
نشأة النقود
عندما استقر الإنسان وأصبح يعيش في مناطق مختلفة، واحتاج البشر في كل منطقة إلى ما يملكه بشر المناطق الأخرى، ظهرت الحاجة إلى ضرورة اختراع شيء له قيمة متفق عليها يتم عن طريقها تبادل الأشياء المختلفة، وبدأ بالمقايضة، ثم استعمل الصينيون المحار واستعمل غيرهم الأحجار الكريمة وأنياب الفيلة والفراء وغيرها، ثم ظهرت العملة المعدنية، وكانت تمثل في البداية مسؤولية أصحابها الذين نقشوا عليها أسماءهم، ثم تدخلت الدولة ووضعت عليها ختمها الرسمي كي تصبح قانونية ولكي يأمن الناس التزييف والغش في الفضة والذهب.
ويجمع علماء "النمنمات"¹ بأنه قد تم سك النقود المعدنية من الذهب والفضة استناداً إلى رأي هيرودوت (561 – 546 ق.م) في آسيا الصغرى على يد الليديين في عهد الملك كرويسيوس²، ثم انتشرت عن طريق التجار إلى جميع أنحاء العالم.
وأما المسلمون، وبعد أن اتسعت الأراضي الإسلامية، فقد قاموا بسك نقودهم في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وكانت حينئذٍ من ثلاثة أنواع هي: الدينار وأجزاؤه كالنصف والثلث وكانت من الذهب، والدرهم من الفضة، والفلس من النحاس، وذلك في العام (79 هـ)، ثم تطورت إلى أن وصلت في وقتنا الحاضر إلى العملة الورقية، والنقود الإلكترونية كبطاقات الائتمان.
انخفاض قيمة العملة وارتفاعها
إن العملة عندما كانت تسك من الذهب والفضة، كانت تحتفظ بقيمتها وتقاوم تقلبات الأوضاع، ولكنها وبعد تحولها إلى عملة ورقية، فإنها معرضة لفقد قيمتها بمجرد غزو الدولة أو احتلالها أو قيام حربٍ فيها، وأحياناً يتعلق الأمر بالتقلبات الاقتصادية، مما يؤثر تأثيراً سلبياً على مؤخر صداق المرأة.
بل إن طول مدة الزواج كافٍ لوحده بأن تفقد العملة قيمتها الشرائية، أو العكس، بأن يتم الزواج في وقت تكون قيمة العملة متدهورة، وعند الطلاق تكون العملة قد عادت إلى قيمتها أو تحسنت نتيجةً للظروف الاقتصادية، مما يتضرر منه الرجل.
لذا فقد اتجهت بعض الدول إلى طريقةٍ للحفاظ على قيمة مؤخر الصداق، وقامت باحتساب مؤخر الصداق ودفعه بما يتناسب مع تغيّر مؤشر القيمة السنوي المقابل تاريخ الوفاء بالنسبة لسنة عقد القران، وأسندت ذلك إلى البنك المركزي فيها ما لم يكن الزوجان قد اتفقا على صيغة أخرى وذلك عند إبرام عقد القران.
ففي دعوى أحوال شخصية كانت معروضة أمام محاكم دبي وأطرافها إيرانيون، كان مؤخر صداق المرأة فيها مبلغ 2.000.000 تومان³ وقت إبرام عقد القران في العام 1991م، فتم احتساب قيمة مؤخر الصداق في وقت الطلاق في العام 2009م ليصبح مؤخر الصداق مبلغ 44.873.929 تومان!!، وهذه طريقة جيدة لحفظ الحقوق، فقد كثرت الحروب في الدول، وللحروب تأثيرها السلبي الكبير في قيمة العملة وتخفيضها بصورة حادة، مما يؤدي إلى الإجحاف بحق المرأة في حال تم القضاء لها بمؤخر الصداق المسجل في عقد قرانها، وهي طريقة سهلة يستخدم فيها الرقم القياسي⁴ لاحتساب المهر.
وتفادياً لهذه الطريقة فإنه من الممكن أن يتم الاتفاق على الذهب مثلاً كمؤخر للصداق، حيث إن من المعلوم أن الذهب لا يفقد قيمته في مثل الأحوال التي ذكرناها، وأن العملات مربوطة به، لاسيما وكما نوهنا أعلاه بأن القانون الجديد (21/1997م) قد ألغى القانون القديم الذي كان ينص على أنه:
(.. أو أن يقيّم أي منهما بما يزيد على هذه القيمة)
مما يكون معه القانون قد سمح بتقييم المهر بأكثر من الحدين المذكورين فيه بشرط ألا يكون مبلغاً من المال.
لذلك نوصي الزوجات وأوليائهن بأن يكون مؤخر الصداق مالاً مقوماً كالذهب، كما نوصي الأزواج بأن يدفعوا المهر كاملاً تفادياً لتغيير انخفاض قيمة المهر أو ارتفاعها، ونوصي المشرع بأن يكون احتساب المهر في حال كان مبلغاً من المال أن تحتسب القيمة الشرائية في وقت الطلاق عن طريق احتساب الرقم القياسي.
المحامي / مختار غريب
¹ وهو العلم الذي يبحث في هوية النقود والأوزان والأختام والأنواط.
² قارون عند العرب.
³ عملة إيران.
⁴ الرقم القياسي (Index Number) هو عبارة عن مؤشر إحصائي يقيس التغير النسبي الذي طرأ على ظاهرة معينة، سعراً، كميةً، قيمةً أو أجراً، بالنسبة لأساس معين قد يكون فترة زمنية معينة أو مكاناً جغرافياً معيناً، حيث تؤخذ قيمة الظاهرة كأساس لحساب الرقم القياسي. ويسمى الوقت أو المكان الذي تنسب إليه الظاهرة بفترة أو مكان الأساس، كما يسمى الوقت أو المكان الذي ننسبه إلى فترة أو مكان المقارنة.
اترك تعليقك