Post Thumbnail

الحضانة و النفقة المشتركتين

بادئ ذي بدء لابد من الإشارة إلى أن تشريعات الأحوال الشخصية في الدول مرتبطة بعقيدة المجتمع، ولذلك تحرص الدول ذات الانتماء الإسلامي على أن تكون تشريعات الأسرة فيها مستمدة من المصادر الشرعية الإسلامية، والدول ذات الانتماء المدني أو ما يسمى بالعلماني، تكون فيها تشريعات الأسرة مستمدة من مصادر مختلفة بلا قيد ولا انتماء، تبغي منها تحقيق المصلحة الفضلى لمجتمعاتها، وهكذا...
 

ونحن في دولة الإمارات العربية المتحدة نفخر بانتمائنا لعروبتنا وديننا الإسلامي كمصدر للتشريع فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية للمسلمين خاصة – والذي هو محور نقاشنا – ولكن يجب أن نتذكر أن في الإسلام – وكأي دين – هناك ثوابت وهناك متغيرات، فالمبدأ الشرعي أو القاعدة الشرعية هي ما أُخذ مباشرة من القرآن الكريم أو من السنة النبوية الشريفة الثابتة، وهذه من الثوابت التي لا مجال لتغييرها، وهناك المبدأ أو القاعدة الفقهية والتي هي من وضع الفقهاء بحسب فهمهم وتصوراتهم بحسب الزمان والمكان، ولم يدع أحد لهم العصمة، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تخضع للتغيير والتحديث، لأنها آراء بشرية واجتهادات إنسانية، تتغير وتتطور مع الزمان بتغيّر الظروف والأحوال، وحسب المكان.
 

ويجب الإشارة هنا بأن:
(الثابت في مراجع الفقه، هو أن مسائل الحضانة لم يرد فيها نصوص شرعية قطعية، وإنما كل ما ورد حولها كان اجتهادات وآراء فقهية، الهدف منها وضع أحكام للحضانة من أجل رعاية الطفل والحفاظ على مصالحه.)¹، مما تكون معه مسائل الحضانة من المسائل المتغيرة وغير الثابتة.

إني أرى أن حصر الحضانة بشخص الأم أو الأب لم يعد مناسباً للواقع الحالي وما تحظى به دولة الإمارات العربية المتحدة من سمعة عالمية في حضارتها وسماحتها الدينية والاجتماعية، بل رأى السادة المالكية في وقتهم ذلك، حيث قرروا في كتبهم بأنه:
(..، وقد ذكر فقهاء المالكية أن من حق الأب أن يتعهد المحضون بحسن الرعاية ومتابعته التامة بما يصلحه وينشئه على أخلاق الرجال وله إرساله لأجل طلب العلم والعمل على تربيته وتثقيفه، غير أنهم اشترطوا على الأب إرسال المحضون إلى أمه حيث حتموا مبيته عندها وقالوا كما جاء بمواهب الجليل ما نصه: "وللأب تعهد ولده عند أمه وأدبه وبعثه للمكتب ولا يبيت إلاّ عند أمه".)²

إذا كان هذا رأي السادة المالكية قبل ما يزيد على 1300 سنة، وهو أن تكون الحضانة مشتركة، فيكون الطفل عند أبيه نهاراً وعند أمه ليلاً، بما يعني الحضانة المشتركة بين الأبوين، فما بالنا وأن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية وسهولة التنقل والتواصل بين أفراد المجتمع أصبحت أمراً في متناول الجميع، ولذلك فإن تخصيص الحضانة بشخص الأم أو الأب ومنع الآخر من رؤية الأبناء إلا لمرة أو مرتين في الأسبوع وربما في الشهر، هو ظلم كبير للأبناء قبل الآباء أو الأمهات، ولذلك لا بد من البحث في أسلوب حضانة جديد، وهو الحضانة المشتركة بين الأبوين على الأبناء.

ولا يُفهم من ذلك بأن الحضانة المشتركة يجب أن تكون 50% لكل واحد منهما، فمن الممكن أن تكون 40% مقابل 60%، أو 30% مقابل 70%، وهكذا، وحسب مصلحة الطفل في نهاية الأمر، بل وحتى أن تكون 100% إن تطلبت مصلحته ذلك، إذا لم يكن أحد الأبوين صالحاً لحضانته، فعندها يقتصر الأمر على الرؤية أو الزيارة فحسب، وأما بوجه عام فإن الحضانة يجب أن تكون مشتركة.

وفي الواقع ليس هناك ما يعوّض عن الوجود الدائم للأم والأب، ولا يوجد شيء أسمى للطفل من الأب الصالح والأم الصالحة، والطفل هو الثمرة المتجددة لبناء المستقبل، لأن الحياة البشرية منذ الأزل تتجدد باستمرار من خلال الأجيال المتعاقبة، وواجب الآباء دائماً هو إعداد الأبناء للمستقبل، وكما مسؤولية الدول والحكومات أن تضع لمجتمعاتها قوانين وأنظمة تحقق لهم العدالة والتنمية المستدامة، فقد أصبح لزاماً عليها أن تبذل كل ما في وسعها لوضع أفضل التشريعات القانونية التي تكفل رعاية وحماية تلك الثمرة البشرية المتجددة التي سيقوم عليها بناء المستقبل ألا وهي (الطفل). وإن الاهتمام المتزايد لحكومات الدول بحقوق الطفل بمفهومها الإنساني الجديد، يجب أن لا يبعدنا عن الاهتمام بتطوير الأحكام القانونية المتعلقة بالحضانة التي تتناسب مع قيمنا ومبادئنا الشرعية والإنسانية، لاسيما وقد ثبت من التطبيق العملي لتلك القوانين أنها أصبحت تساهم في تعميق الهوة بين الأبوين المنفصلين من جهة، وبينهم وبين أطفالهم من جهة أخرى، مما أدى إلى ضياع الأبناء وضياع الغاية من الحضانة والولاية التي هدفهما أولاً وآخراً رعاية مصلحة الأبناء القاصرين وحمايتهم.

ولذلك فإن تقديم أساليب جديدة للحضانة أصبح واجباً على الباحثين والمشرعين، ولذلك بدوري أطرح فكرة أو مبدأ الحضانة المشتركة للأبوين بأسلوب يتناسب مع المبادئ والقواعد الشرعية الأساسية، التي تقوم على أساس أن مسؤولية الآباء والمجتمع رعاية وحماية مصالح الأبناء القاصرين، وخاصة بعد حصول الانفصال بين أبويهم. وإن إرساء فكرة الحضانة المشتركة للأبوين المسلمين بعد الانفصال يحتاج لنصوص تشريعية يسهل على المحاكم تطبيقها عندما يجد القاضي أنها الطريقة الأصلح لمصلحة الأبناء القاصرين.
 

فما هو مبدأ الحضانة المشتركة الذي أرغب بعرضه من وجهة نظري:

إن الرعاية الأبوية للأبناء القاصرين تتمثل بأمرين هما الحضانة والولاية دون أن يتم تخصيص أي من الأبوين بإحدى هاتين المسألتين، ولكن قام فقهاء الشريعة الإسلامية بفرز تلك المسؤوليات والحقوق بين الأبوين، فخصوا الأم بما سمي الحضانة، وخصوا الأب بما سمي الولاية، ولكن في حقيقة الواقع لم يتمكنوا من إظهار وتحقيق فروق واضحة بين مسألتي الحضانة والولاية، لا أثناء الحياة المشتركة للأبوين، ولا بعد حصول الانفصال بينهما، لأنها – كما أرى – غير قابلة بطبيعتها للفرز والتفريق بالفطرة، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى وجمعهما ليكملا بعضهما البعض في كل جوانب الحياة ومنها مسؤوليتهما في رعاية الأبناء بشكل مشترك، لأن رعاية الأبناء مهمة شاقة ومسؤولية دائمة، تتطلب تضافر الجهود والتعاون بين الأبوين منذ الولادة وحتى سنّ الرشد، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:
(ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.... والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها).

فمسؤوليتي الحضانة والولاية للأب والأم مكملتان لبعضهما البعض، وبينهما نقاط كثيرة مشتركة، وهناك من أطلق على مسألة الحضانة اسم ولاية الحضانة أو (ولاية التربية الأولى) حيث تقوم بها كل من الأم بصفتها الحاضنة والأب بصفته ولي النفس، وقد يبرز دور الأم في مراحل الطفولة الأولى، ودور الأب في هذه المرحلة من حياة الطفل ليس معدوماً، فهو الذي يقدم ويحمي ويشارك في التربية بشكل مباشر وغير مباشر بكل قدراته من أجل بناء الحياة المستقبلية لطفلهما.

وإذا تجاوزنا مسؤولية الأب المالية – التي خصته بها القوانين العربية – تجاه الأبناء واعتبرناه أمراً مستقلاً خارج نطاق المسؤولية المشتركة للأبوين، فإنه يتبقى لدينا أمور كثيرة مشتركة بين مسؤولية الأب (الولي) ومسؤولية الأم (الحاضنة) تتعلق بتربية الأطفال والعناية بهم صحياً واجتماعياً وتعليمياً وتربوياً وكل ما يحتاجه الطفل حتى ينمو ويصبح قادراً على رعاية نفسه ورجلاً راشداً تسقط عنه مسؤوليتي الحضانة والولاية، فمهمة الأم في الحضانة لا تقتصر فقط على مسؤولية التنظيف وإطعام الصغير والعناية بجسمه، بل تتعداها لمسؤولية تعليمية تربوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع مسؤولية ولي النفس في العناية بالصغير وحفظه وتربيته وتوجيهه في كل ما يحتاجه، ولكن هذا الاندماج والتناغم بين الأبوين في رعاية أبنائهم القاصرين، للأسف الشديد يفقده الكثير من الآباء في حال حدوث الانفصال، وهنا يأتي دور المشرع الذي يسعى لحماية الطفل القاصر في إلزامه بالقيام بواجبه السابق تجاه الطفل، وهو أمر لا يتحقق إلا من خلال اتفاق على الرعاية المشتركة بين الأبوين وتصديقه من المحكمة ليكون ملزماً لهما، وإذا تعذر الاتفاق يجب أن يكون هناك حكم قضائي يحدد الحقوق والواجبات لكل من الأبوين في الحضانة والولاية المشتركة على أبنائهم، وهو ما خلت منه النصوص القانونية الحالية لمرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2024 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية، بخلاف المرسوم بقانون اتحادي رقم (41) لسنة 2022 في شأن إصدار قانون الأحوال الشخصية المدني، ولا نعلم الهدف من ذلك!!، الأمر الذي استبعدته المحكمة أيضاً في الأحكام القضائية في الدعاوى بين المسلمين، رغم ثبوت حالات أمامها تؤكد مصلحة الأبناء في الحضانة المشتركة، ونعم يمكن تحقيق الحضانة المشتركة إذا وضع الأبوين والمشرع والمحكمة مصلحة الأبناء فوق كل اعتبار.
 

وهناك أمر مهم يجب التذكير به:

فقد ذكر الشيخ زايد رحمه الله في أقوال كثيرة له، بما معناه أن الحياة تغيرت وأصبح واجباً على كل أفراد المجتمع الإماراتي أن يعمل ويشارك في بناء الأسرة والمجتمع، وكلنا يعلم الآن أن غالبية النساء في المجتمع الإماراتي أصبحن عاملات في وظائف ومراكز حكومية وخاصة مختلفة، وبالمقابل فإن النساء من أسر الأجانب المقيمين في الدولة غالبيتهن يذهبن للعمل، لذلك فإن مناط تفضيل الأم في الحضانة – بعد سنوات الطفولة الأولى – لم يعد متوفراً في حقيقة الأمر، وأصبحت الأم التي أسند لها الحضانة تذهب للعمل وتوكل أمر الأبناء للخادمة أو العاملين لديها، وبنفس الوقت يُحرم الأب من رؤيتهم إلا في وقت الرؤية لساعات قليلة، وهذا لا يتفق مع مصلحة الأبناء ومستقبلهم.
 

وأما بشأن النفقة المشتركة:

كما أنه من ناحية النفقة على الأبناء، يجب أن يحدث تغيير في منهجية تكليف الأب بجميع نفقات المحضون، بعد أن أصبحت الأم العاملة تحصل على دخل مرتفع قد يفوق دخل الأب، وخاصة أنه لا يوجد نصوص شرعية قطعية في مسألة انفراد الأب بنفقة الابن، فلم نجد مثلاً في القرآن الكريم وجوب نفقة الابن على الأب دون الأم!!، ولا حتى في الكتاب المقدس، وإنما ذلك بالفطرة والطبيعة والأخلاق، فإن الملحد أيضاً ينفق على أبنائه، لذا فإن ذلك في الفقه المتغير وغير الثابت، ومن ثم أصبحت الحاجة ملحة لتشريع جديد في هذا الجانب أيضاً، بحيث تُقسم نفقة الأبناء بين الأبوين العاملين حسب دخل كل منهما، وحسب حاجة الأطفال، ويكون ذلك عن طريق إلزام الأبوين بتقديم بيانات عن مقدار دخلهما وإلزامهما بالمساهمة المشتركة في النفقة على الأبناء، بحسب الحال لكل قضية.

أعتقد جازماً أنه إذا روعيت الأمور التي ذكرتها بشأن الحضانة المشتركة والنفقة المشتركة، فإنه يكون لذلك تأثير كبير على نسبة الطلاق أيضاً، وسوف تنخفض هذه النسبة الكبيرة التي نراها الآن، وذلك حين يرى كلٌّ من الأبوين صعوبة مراعاة مصلحة الطفل وهما منفصلين.
 

المحامي / مختار محمد غريب


¹ كتاب أحكام الحضانة في القوانين العربية والأجنبية للدكتور أحمد الرجوب.
² محكمة التمييز الموقرة دبي في الطعن رقم 4 لسنة 1993 "أحوال شخصية"، الصفحة 436 من مجلة القضاء والتشريع الصادرة من محكمة تمييز دبي.

اترك تعليقك

التعليقات (0)



Reply a comment

About Me

مختار محمد غريب

محام ومستشار قانوني

العلامات المفتاحية