الألــــعــــاب الإلــكــتــرونــيــة والأحــــــداث: بـيـن الترفيه الـــــرقـــــمـــــي ومــــخــــاطــــر الـــســـلـــوكـــيـــات الــخــطــرة
قـــــراءة قـانـونـيـة فـــي تأثير الألـــعـــاب الإلــكــتــرونــيــة على ســـلـــوك الأطــــفــــال ودور الــتــشــريــعــات فـــي حـمـايـتـهـم
في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم اليوم، أصبحت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من حياة الأطفال والأحـــداث، وعلى رأسها الألعاب الإلكترونية التي انتشرت بشكل واسـع عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ومنصات الإنترنت المختلفة. وبينما تحمل هذه الألعاب في بعض جوانبها بعداً ترفيهياً وتعليمياً قد يسهم في تنمية بعض المهارات الذهنية، إلا أن الاستخدام غير المنضبط لها قد يترك آثاراً نفسية وسلوكية عميقة على الأطفال، قد تمتد في بعض الحالات إلى تبني أنماط سلوكية عدوانية أو تقليد سلوكيات خطرة مستمدة من العالم الافتراضي.
ومـع تـزايـد ارتــبــاط الأطــفــال بـالـعـالـم الـرقـمـي، تبرز تساؤلات مـهـمـة حـــول مـــدى تأثير هـــذا الــنــوع من الألعاب في تشكيل سلوك الطفل أو الحدث، ومدى ارتباطها ببعض الممارسات الخطرة أو السلوكيات المنحرفة، الأمر الذي يستدعي دراسة هذه الظاهرة من منظور اجتماعي وتربوي وقانوني، خاصة في ظل حـرص دولـة الإمـــارات العربية المتحدة على توفير بيئة آمـنـة تحمي الطفل وتضمن تنشئته تنشئة سليمة.
وتـشـيـر الـعـديـد مــن الـــدراســـات الـحـديـثـة الى تـزايـد مــعــدلات اسـتـخـدام الأطــفــال لـلألـعـاب الإلـكـتـرونـيـة لساعات طويلة يومياً، الأمر الذي يعكس حجم تأثير هـذه الألـعـاب في تشكيل سلوكيات الـنـشء، ويبرز الحاجة إلى توجيه هذا الاستخدام بما يحقق الفائدة ويحد من مخاطره.
تُـعـد الألـعـاب الإلكترونية الـيـوم مـن أكـثـر الوسائل الترفيهية انـتـشـاراً بين الأطــفــال والأحـــــداث، إلا أن الإفــــراط في اسـتـخـدامـهـا قــد يؤدي إلى آثـــار سلبية متعددة، خاصة عندما تتضمن هذه الألعاب محتوى يقوم على العنف أو الصراع أو استخدام الأسلحة. وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن التعرض المستمر لمثل هـذه المشاهد قـد يؤثر في سلوك الطفل ويزيد من تقبله لفكرة العنف أو العدوانية في التعامل مع الآخرين.
كما أن قـضـاء سـاعـات طويلة أمام الـشـاشـات قد يؤدي إلى الــعــزلــة الاجـتـمـاعـيـة وضــعــف الـتـواصـل الأســــري، فـضـلا ً عـن تأثيره في التحصيل الـدراسـي ومستوى التركيز لدى الأطفال والأحداث.
ومـــن الـمـلاحـظ في بـعـض الـــحـــالات أن الأطـــفـــال أو الأحداث قد يحاولون تقليد ما يشاهدونه في الألعاب الإلكترونية أو عبر منصات البث المباشر الخاصة بالألعاب، الأمر الذي قد يدفع بعضهم إلى ممارسة سلوكيات خطرة أو غير قانونية بدافع الفضول أو التحدي أو تقليد الشخصيات الافتراضية.
كما أن بعض الألعاب تعتمد على خاصية التواصل مع لاعبين مجهولين عبر الإنترنت، وهو ما قد يعّرض الطفل لمخاطر متعددة مثل التنمر الإلكتروني أو الاستغلال أو التأثر بأفكار وسلوكيات سلبية.
وفي ظل هذه التحديات التي فرضها التطور الرقمي، بـرز دور التشريعات الوطنية في وضـع إطار قانوني يهدف إلى حماية الأطـفـال والأحـــداث من المخاطر المرتبطة بالبيئة الرقمية.
الإطار القانوني لحماية الأطفال
حرصت دولة الإمـارات العربية المتحدة على وضع منظومة تشريعية متكاملة لحماية الأطـفـال من المخاطر المختلفة، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي والألعاب الإلكترونية.
فقد نص القانون الاتـحـادي رقـم (3) لسنة 2016 بشأن حقوق الطفل “قانون وديمة” على عدد من الضمانات التي تكفل حماية الطفل من أي مؤثرات قد تضر بنموه وسلامته، حيث أكدت المادة (14) من القانون على حق الطفل في الحماية من كافة أشكال الإهمال والاستغلال وسوء المعاملة. كما أشارت المادة (35) من القانون ذاته إلى ضرورة حماية الطفل من المواد الإعلامية أو الرقمية التي قد توثر سلباً في سلوكه أو تنمي لديه النزعة إلى العنف أو الانحراف.
وفي الـسـيـاق ذاتـــه، جــاء الـمـرسـوم بـقـانـون اتـحـادي رقـم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلـكـتـرونـيـة لـيـجـّرم الـعـديـد مــن الأفـعـال المرتبطة باستخدام شبكة الإنترنت ووسائل التقنية الحديثة، ومنها اسـتـدراج الأطـفـال عبر الإنترنت أو نشر أو تداول المحتوى الضار.
الــــوقــــايــــة الـــقـــانـــونـــيـــة ودورهـــــــــا فـي الـــحـــد مـن السلوكيات الخطرة
إن حماية الأطفال والأحداث من التأثيرات السلبية للألعاب الإلكترونية لا تقتصر على الجانب التربوي أو الأســـري فحسب، بـل تمتد إلى الجانب الوقائي الـذي تسعى إليه التشريعات الحديثة. فالقوانين في دولة الإمارات لا تركز فقط على معاقبة الجريمة بعد وقوعها، بل تهدف أيضاً إلى الوقاية من أسباب الانحراف السلوكي لدى الأحداث. ومن هذا المنطلق، تحرص الجهات المختصة على تـعـزيـز الـرقـابـة عــلى الـمـحـتـوى الرقمي، الى جانب نـشـر الــوعــي المجتمعي حـــول الاســتــخــدام الآمــن لـلـتـكـنـولـوجـيـا. كـمـا أن الــوقــايــة الـمـبـكـرة والـتـوعـيـة المستمرة تـمـثـلان أهـــم الوسائل الـتـي تسهم في حـمـايـة الأطـــفـــال والأحــــــداث مــن التأثر بالمحتوى العنيف أو السلوكيات الخطرة التي قد تنتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع.
التوصيات
- تـعـزيـز الـرقـابـة الأســريــة عـلى اسـتـخـدام الأطـفـال لــلألــعــاب الإلــكــتــرونــيــة وتــحــديــد أوقات مناسبة للعب.
- توعية أولياء الأمور بمحتوى الألعاب وتصنيفاتها العمرية قبل السماح للأطفال باستخدامها.
- تشجيع الأطفال على ممارسة الأنشطة الرياضية والاجــتــمــاعــيــة والــثــقــافــيــة لـلـحـد مـــن الإفــــــراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية.
- تعزيز دور المدارس والمؤسسات المجتمعية في نشر الوعي الرقمي لدى الأطفال والأحداث.
- دعــم الـمـبـادرات الـتـي تـهـدف إلى حماية الطفل في البيئة الــرقــمــيــة وتــعــزيــز الاســـتـــخـــدام الآمـــن للتكنولوجيا.
- تعزيز التعاون بين الجهات القانونية والتربوية والإعلامية لمواجهة المخاطر المرتبطة بالمحتوى الرقمي غير المناسب للأطفال.
الخاتمة
في ظل التطور الرقمي المتسارع، أصبحت الألعاب الإلكترونية جزءاً من واقع حياة الأطفال والأحداث، الأمر الذي يتطلب قدراً أكبر من الوعي والرقابة في كيفية استخدامها وتوجيهها بما يحقق الفائدة ويحد من آثارها السلبية.
ومن هنا تبرز أهمية تكامل دور الأسـرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية في توجيه الأطـفـال نحو الاستخدام الآمن والمتوازن للتكنولوجيا، بما يسهم في حمايتهم وتعزيز تنشئة جيل واعٍ ومسئول.
إن حماية الأطفال في العالم الرقمي لم تعد خياراً، بل مسؤولية مشتركة تفرضها تحديات العصر لضمان تنشئة جيل واعٍ وقادر على بناء مستقبل آمن للمجتمع.
اترك تعليقك