الدية والأرش وحكومة العدل في القانون الإماراتي
لماذا تقف قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» عاجزة أمامها؟
ليست جميع القواعد القانونية متساوية في قوتها وأثرها، فهناك قواعد إجرائية وضعت لتنظيم الخصومة وضمان حقوق الدفاع، وهناك أحكام شرعية تتعلق بحماية النفس البشرية وصيانة الدماء، وهي من أسمى المقاصد التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، وعندما يقع التعارض بين الأمرين، فإن التشريع الإماراتي والقضاء الاتحادي قد حسما الأمر بصورة واضحة؛ إذ تبقى حماية الدماء مقدمة على القيود الإجرائية، وتقف قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» عاجزة أمام وجوب القضاء بالدية أو الأرش متى ثبت موجبهما شرعاً وقانوناً.
وقد تميزت دولة الإمارات العربية المتحدة بمنظومة قانونية فريدة نجحت في الجمع بين أصالة الشريعة الإسلامية وحداثة التشريعات المعاصرة، فجعلت من أحكام الدية والأرش جزءاً أصيلاً من بنيانها الجنائي، ولذلك نصت المادة الأولى من المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بشأن قانون الجرائم والعقوبات على سريان أحكام الشريعة الإسلامية في جرائم الحدود والقصاص والدية، تأكيداً على أن هذه الأحكام ليست مجرد قواعد تراثية، بل التزام تشريعي وقضائي واجب التطبيق.
وتُعرف الدية بأنها المال المقرر شرعاً بسبب الجناية على النفس، كحالات القتل الخطأ أو شبه العمد، وهي ليست مجرد مبلغ مالي يدفع لورثة المتوفى؛ فهي عقوبة شرعية توقع على الجاني لصيانة الأرواح وردع الاعتداء عليها، وقد حدد القانون الإماراتي مقدار الدية الشرعية للمتوفى خطأً بمبلغ (200,000) مائتي ألف درهم إماراتي، باعتبارها حقاً ثابتاً متى تحققت أسبابه.
أما الأرش، فهو التعويض المالي المستحق عن الإصابات التي تقع على ما دون النفس، أي الإصابات التي لا تؤدي إلى الوفاة ولكنها تُحدث تلفاً بعضو أو منفعة من منافع الجسد. وقد يكون الأرش مقدراً شرعاً، مثل فقد عين أو قطع إصبع أو ذهاب منفعة عضو معين، وقد يكون غير مقدر، وهنا يظهر ما يعرف في الفقه الإسلامي باسم “حكومة العدل” أو “دية الحكومة”.
وتُعد حكومة العدل من أكثر صور العدالة مرونة في الفقه والقضاء، لأنها تعالج الإصابات التي لم يرد بشأنها تقدير محدد في النصوص الشرعية، مثل بعض الكسور أو التشوهات أو العجز الجزئي، وفي هذه الحالات، تتدخل المحكمة لتقدير التعويض المناسب اعتماداً على التقارير الطبية ونسبة العجز وتأثير الإصابة على حياة المجني عليه، بحيث يتحقق العدل دون إفراط أو تفريط. ولهذا لم يترك الفقه الإسلامي حق الإنسان يضيع لمجرد غياب النص المحدد، بل فتح باب التقدير القضائي لضمان جبر الضرر وصيانة الحقوق.
غير أن الجانب الأكثر إثارة في هذا النظام القانوني يظهر عندما تُغفل المحكمة الحكم بالدية أو الأرش، ثم يقوم المتهم وحده بالطعن على الحكم الصادر ضده. فهنا يثور التساؤل القانوني المهم: هل يجوز لمحكمة الطعن أن تقضي بالدية لأول مرة رغم أن المتهم هو الطاعن الوحيد؟ أم أن قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» تمنع ذلك؟
في الظاهر قد يبدو الجواب بسيطاً؛ إذ إن القاعدة الإجرائية المستقرة تقضي بألا يصبح مركز الطاعن أسوأ بسبب طعنه، حتى لا يخشى المتقاضي من استعمال حقه في الطعن. إلا أن الأمر يختلف تماماً عندما يتعلق بالدية والأرش، لأننا هنا لا نتحدث عن مجرد عقوبة تقديرية أو غرامة مالية عادية، وإنما عن حكم شرعي يتعلق بحقوق الدماء التي لا يجوز إسقاطها أو تعطيلها بسبب خطأ قضائي أو إغفال من المحكمة.
ومن هنا جاء الحكم من المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم (285) لسنة 2023 جزائي، ليضع مبدأ قضائياً بالغ الأهمية في النظام القانوني الإماراتي، فقد كانت الواقعة تتعلق بحادث مروري أدى إلى وفاة شخصين، وأدانت المحكمة المتهم بالحبس والغرامة، لكنها أغفلت الحكم بالدية الشرعية، وعندما طعن المتهم على الحكم طالباً البراءة، أثير التساؤل حول إمكانية القضاء بالدية أمام محكمة الطعن رغم أن ذلك سيؤدي إلى تشديد مركزه القانوني.
لكن المحكمة الاتحادية العليا حسمت المسألة بصورة قاطعة، وقررت أن الدية عقوبة شرعية أصلية مرتبطة بثبوت جريمة القتل الخطأ، وأن المحكمة تلتزم بالحكم بها متى ثبت موجبها، حتى ولو أغفلتها محكمة أول درجة، كما أكدت أن قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» لا تصلح ذريعة لتعطيل حكم شرعي قطعي يتعلق بصيانة الدماء، لأن الأحكام القطعية في الشريعة الإسلامية تعلو على القيود الإجرائية التقليدية.
وهنا تتجلى خصوصية التشريع الإماراتي؛ فالقانون لا ينظر إلى الدية باعتبارها مجرد تعويض مالي يمكن التغاضي عنه، بل يعتبرها حقاً شرعياً لازماً لا يجوز أن يضيع بسبب نقص في الحكم أو قصور في التسبيب، ولذلك فإن محكمة الطعن لا تكون بصدد تشديد العقوبة على المتهم بسبب طعنه، وإنما تكون بصدد تصحيح خطأ قانوني وإعمال حكم شرعي واجب التطبيق منذ البداية.
إن هذا الاتجاه القضائي يكشف عن فلسفة عميقة تقوم على أن حماية النفس البشرية تسمو على الاعتبارات الشكلية والإجرائية، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق إذا ضاعت حقوق أولياء الدم بسبب خطأ قضائي، ولهذا فإن قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» تقف عاجزة عندما يتعلق الأمر بالدية والأرش، لأن الشريعة الإسلامية وضعت حماية الدماء في مرتبة تعلو على كثير من القواعد الإجرائية الوضعية.
وفي النهاية، يتضح أن الدية والأرش وحكومة العدل ليست مجرد مبالغ مالية أو قواعد فقهية جامدة، بل هي نظام متكامل لحماية الإنسان وصيانة كرامته وجبر ضرره، كما أن القضاء الإماراتي قد نجح في ترسيخ مبدأ بالغ الأهمية مؤداه أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالدماء لا يجوز أن تتعطل بسبب قواعد إجرائية، وأن العدالة الحقيقية تبدأ من حماية النفس الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.
وقد تميزت دولة الإمارات العربية المتحدة بمنظومة قانونية فريدة نجحت في الجمع بين أصالة الشريعة الإسلامية وحداثة التشريعات المعاصرة، فجعلت من أحكام الدية والأرش جزءاً أصيلاً من بنيانها الجنائي، ولذلك نصت المادة الأولى من المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بشأن قانون الجرائم والعقوبات على سريان أحكام الشريعة الإسلامية في جرائم الحدود والقصاص والدية، تأكيداً على أن هذه الأحكام ليست مجرد قواعد تراثية، بل التزام تشريعي وقضائي واجب التطبيق.
وتُعرف الدية بأنها المال المقرر شرعاً بسبب الجناية على النفس، كحالات القتل الخطأ أو شبه العمد، وهي ليست مجرد مبلغ مالي يدفع لورثة المتوفى؛ فهي عقوبة شرعية توقع على الجاني لصيانة الأرواح وردع الاعتداء عليها، وقد حدد القانون الإماراتي مقدار الدية الشرعية للمتوفى خطأً بمبلغ (200,000) مائتي ألف درهم إماراتي، باعتبارها حقاً ثابتاً متى تحققت أسبابه.
أما الأرش، فهو التعويض المالي المستحق عن الإصابات التي تقع على ما دون النفس، أي الإصابات التي لا تؤدي إلى الوفاة ولكنها تُحدث تلفاً بعضو أو منفعة من منافع الجسد. وقد يكون الأرش مقدراً شرعاً، مثل فقد عين أو قطع إصبع أو ذهاب منفعة عضو معين، وقد يكون غير مقدر، وهنا يظهر ما يعرف في الفقه الإسلامي باسم “حكومة العدل” أو “دية الحكومة”.
وتُعد حكومة العدل من أكثر صور العدالة مرونة في الفقه والقضاء، لأنها تعالج الإصابات التي لم يرد بشأنها تقدير محدد في النصوص الشرعية، مثل بعض الكسور أو التشوهات أو العجز الجزئي، وفي هذه الحالات، تتدخل المحكمة لتقدير التعويض المناسب اعتماداً على التقارير الطبية ونسبة العجز وتأثير الإصابة على حياة المجني عليه، بحيث يتحقق العدل دون إفراط أو تفريط. ولهذا لم يترك الفقه الإسلامي حق الإنسان يضيع لمجرد غياب النص المحدد، بل فتح باب التقدير القضائي لضمان جبر الضرر وصيانة الحقوق.
غير أن الجانب الأكثر إثارة في هذا النظام القانوني يظهر عندما تُغفل المحكمة الحكم بالدية أو الأرش، ثم يقوم المتهم وحده بالطعن على الحكم الصادر ضده. فهنا يثور التساؤل القانوني المهم: هل يجوز لمحكمة الطعن أن تقضي بالدية لأول مرة رغم أن المتهم هو الطاعن الوحيد؟ أم أن قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» تمنع ذلك؟
في الظاهر قد يبدو الجواب بسيطاً؛ إذ إن القاعدة الإجرائية المستقرة تقضي بألا يصبح مركز الطاعن أسوأ بسبب طعنه، حتى لا يخشى المتقاضي من استعمال حقه في الطعن. إلا أن الأمر يختلف تماماً عندما يتعلق بالدية والأرش، لأننا هنا لا نتحدث عن مجرد عقوبة تقديرية أو غرامة مالية عادية، وإنما عن حكم شرعي يتعلق بحقوق الدماء التي لا يجوز إسقاطها أو تعطيلها بسبب خطأ قضائي أو إغفال من المحكمة.
ومن هنا جاء الحكم من المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم (285) لسنة 2023 جزائي، ليضع مبدأ قضائياً بالغ الأهمية في النظام القانوني الإماراتي، فقد كانت الواقعة تتعلق بحادث مروري أدى إلى وفاة شخصين، وأدانت المحكمة المتهم بالحبس والغرامة، لكنها أغفلت الحكم بالدية الشرعية، وعندما طعن المتهم على الحكم طالباً البراءة، أثير التساؤل حول إمكانية القضاء بالدية أمام محكمة الطعن رغم أن ذلك سيؤدي إلى تشديد مركزه القانوني.
لكن المحكمة الاتحادية العليا حسمت المسألة بصورة قاطعة، وقررت أن الدية عقوبة شرعية أصلية مرتبطة بثبوت جريمة القتل الخطأ، وأن المحكمة تلتزم بالحكم بها متى ثبت موجبها، حتى ولو أغفلتها محكمة أول درجة، كما أكدت أن قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» لا تصلح ذريعة لتعطيل حكم شرعي قطعي يتعلق بصيانة الدماء، لأن الأحكام القطعية في الشريعة الإسلامية تعلو على القيود الإجرائية التقليدية.
وهنا تتجلى خصوصية التشريع الإماراتي؛ فالقانون لا ينظر إلى الدية باعتبارها مجرد تعويض مالي يمكن التغاضي عنه، بل يعتبرها حقاً شرعياً لازماً لا يجوز أن يضيع بسبب نقص في الحكم أو قصور في التسبيب، ولذلك فإن محكمة الطعن لا تكون بصدد تشديد العقوبة على المتهم بسبب طعنه، وإنما تكون بصدد تصحيح خطأ قانوني وإعمال حكم شرعي واجب التطبيق منذ البداية.
إن هذا الاتجاه القضائي يكشف عن فلسفة عميقة تقوم على أن حماية النفس البشرية تسمو على الاعتبارات الشكلية والإجرائية، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق إذا ضاعت حقوق أولياء الدم بسبب خطأ قضائي، ولهذا فإن قاعدة «لا يضار الطاعن بطعنه» تقف عاجزة عندما يتعلق الأمر بالدية والأرش، لأن الشريعة الإسلامية وضعت حماية الدماء في مرتبة تعلو على كثير من القواعد الإجرائية الوضعية.
وفي النهاية، يتضح أن الدية والأرش وحكومة العدل ليست مجرد مبالغ مالية أو قواعد فقهية جامدة، بل هي نظام متكامل لحماية الإنسان وصيانة كرامته وجبر ضرره، كما أن القضاء الإماراتي قد نجح في ترسيخ مبدأ بالغ الأهمية مؤداه أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالدماء لا يجوز أن تتعطل بسبب قواعد إجرائية، وأن العدالة الحقيقية تبدأ من حماية النفس الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.
اترك تعليقك